مقدّمات ضحكة !

بكت طفلة على كورنيش جدة , حين أضاعها أبواها في الزحام . صراخها الهستيري أرعب قطةً كانت قد عبرت الشارع متجهةً إلى البحر , فجفلت مذعورة عائدةً إلى الشارع . تفاجأ أحد السائقين بها فراغ يساراً ليتجنبها فاصطدم بسيارة مسرعة آتية من أقصى اليسار .

تسبب هذا الحادث في إغلاق الطريق ذي المسارين و في دهس القطة أيضاً ! . و تشكّل خط طويل من الأنوار و المنبهات . و في نهاية هذا الزحام , كان أحمد يستقل سيارة ليموزين في حالة من القلق .

كان أحمد قد وصل إلى جدة بعد العصر , و يحين موعد رحلته المغادرة إلى الرياض في تمام الثامنة والنصف مساءً , لذلك قرر أن يقضي الوقت الفاصل بينهما في الاستمتاع بالبحر بدلاً من إحراق سجائره و أعصابه في صالة الانتظار .

حين قرر العودة إلى المطار , لم يستطع العثور على سيارة ليموزين إلا بعد الثامنة .

بقي الطريق مغلقاً لأكثر من عشر دقائق , ثم بدأ طابور السيارات الطويل بالتحرك ببطء شديد . ثم انطلقت السيارة بأقصى سرعتها حين استوت على الطريق السريع .

زاد من توتر أحمد ذباب صحبه من الكورنيش , كان طوال الوقت يتحين اقترابه من النافذة ليخرجه من السيارة . و تحقق له ما يريد أخيراً . ضغط على زر فتح الزجاج بسرعة .. و اختفى الذباب إذ سحبه الهواء ليتوه في الفيافي المجاورة للطريق السريع . ابتسم أحمد متعجباً! .. فهو يعلم أن عمر الذباب – إن امتد به العمر – لا يتجاوز الخمسة عشر يوماً .. و قد تسبب و بضغطة زر ,في هدر حياته التي سيقضيها تائهاً! ..

أومأ برأسه يمنة و يسره يكتم ضحكة على هذه الخاطرة الحمقاء , و اختلس النظر إلى السائق ليتأكد أنه لم يلحظ انفعالاته الغريبة ! ..

لكنه يعلم أيضاً , أن هناك من يمكن أن يفعل به كما فعل هو بالذباب , بجرّة قلم , أو كلمة تُلفظُ ذات مزاجٍ سيء , أو سرحان ممرضة عاشقة , أو مزحة صديقٍ ثقيل ..

لم يُعِدْه إلى رشده إلا حقيقة وصوله إلى المطار بعد إغلاق أبواب الطائرة ! .

لم يكن لديه وقت ليجازف به في انتظار رحلة أخرى فبالتأكيد ليس هناك مقاعد متاحة , خاصة وأن بعد غدٍ هو أول أيام الدوام الرسمي بعد إجازة نهاية العام , والرحلات ترفض أي حجز إضافي . فاستقل سيارة ليموزين لكي توصله إلى ” موقف التكاسي ” .

بدأ سائق الليموزين يسرد لأحمد قصصاً – كالعادة – لأجل الترفيه , كخدمة يستحقها الزبون . وكان أحمد كريماً فأضاف قصته هو أيضاً لعل السائق ينتفع بها مع ركاب آخرين ..

تذكّر السائق صديقه الذي ينوي العودة إلى الرياض صباح الغد , والذي قدم صباح اليوم من الرياض ومعه زبائن يوصلهم إلى جدة في سيارته الخاصة لتوفير حدّ أدنى من العيش الكريم لعائلته, و لشراء حقيبة و أدوات مدرسية و مريول لابنته “إيمان” المتحمّسة كثيراً لأول سنة دراسية لها . لكن أبا إيمان أنفق ما كسبه من الركاب في شراء إطارين جديدين لسيارته بعد أن انفجر إطار في الطريق و الآخر على وشك الانفجار , إضافةً إلى تكاليف إقامته .

و في محاولة يائسة من السائق لمساعدة صديقه , عرض على أحمد أنه إذا كان يهمّه الوصول سريعاً , و على استعداد لدفع تكلفة أربعة ركاب , فإنه سيدلّه على من يقلّه في الحال دون انتظار أن يكتمل عدد الركاب في إحدى سيارات الأجرة في ” موقف التكاسي ” ! . وافق أحمد بشرط أن ينطلق به دون تأخير .

استيقظ أبو إيمان من كوابيس إغفاءته على رنين اتصال صديقه . و في الحال نهض يستعدّ , ريثما يصل صديقه بالزبون .

و في مساء الجمعة دخل أبو إيمان إلى بيته دخول المنتصرين , يحمل معه كل ما تنتظره ابنته .. ثم أجاب على أسئلة زوجته المعتادة : أن يومه كان عادياً جداً .. و رحلته كانت عاديةً جداً !! . وحين رأت إيمان حقيبتها و مريولها .. ضحكت .. ضحكت بهستيريه هي أيضا !!! ..

عجبت إيمان لهذه الفرحة التي أتت إليها .. تخطو باتجاهها .. منذ البداية .. كأنها مصوّبة نحوها .. أتتها تخطو على أتراح كثيرة لغيرها ! .

لازالت إيمان تضحك .. و ستظل تضحك .. و تعجَب :

كيف أنها هي و غيرها مجرّد أشياء موجودة لأجل حدوث شيءٍ ما .. في مكانٍ ما . وفي نفس الوقت .. كيف أن وجودها مهمّ جداً لدرجة أن أحداثاً كبيرة و كثيرة ليست سوى حلقات في سلسلة تحمل فرحة صغيرة من أجلها !! .. إذن فكم كلّفت أفراحها السابقة وكم ستكلّف أفراحها اللاحقة ! ..

لازالت تضحك .. و تعجَب .. كيف تكون لاشيء , وكل شيء في نفس الوقت .

لكن إيمان تعلم أن فرحتها هي الأخرى مجرّد حلقة في نفس السلسلة .. و أنها ربما .. ربما .. تتأخر غداً عن المدرسة .. لتضحك فتاة أخرى على الكورنيش !! .

11 Responses to “مقدّمات ضحكة !”

  1. أرجوحة says:

    كل ما يحدث في حياتنا هو حلقة من سلسلة طويلة ممتدة، قد لا نعي بدايتها أو نهايتها أبدا.!!
    ذكرني مقالك، بذلك الجزء من فيلم ” بنجامين بوتون”.. حين أخذت تروي بتسلسل الطريقة التي تعرضت فيها لحادث تسبب بكسر ساقها و خروجها من عالم الرقص إلى الأبد، حيث كان بنجامين يقف بانتظارها ليكمل معها ما بقي من عمره المعاكس لدوران الساعة.. و ليموت في النهاية في حضنها طفلا رضيعا..

  2. إيمان~ says:

    مرة عجبني الشي :-p

  3. فجر says:

    (( قد نكون جزءا لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا يتجزأ

    في هذا الكون الكون ,,,, فقط لنكمل جزءا آخر من المستحيل أن يكتمل

    بدوننا ))

    دمت بخير .

  4. fly2art says:

    أرجوحة ..

    ماشفت الفلم .. بس مبين ان فكرته حلوه , رغم اني كنت افضل انه ما يموت وهو رضيع .. لأن بدايته ما كانت موت .. كانت عدم ..

    ان شاء الله اشوفه ..

    شكرا لك : )

  5. fly2art says:

    إيمان ..

    حياك الله

  6. fly2art says:

    فجر ..

    ممكن أن يكتمل بدوننا لكن سيكتمل بشكل مختلف ..

    شكرا : )

  7. مبدع بالفعل

    الفكره وطريقة السرد، والاسلوب اللذيذ : )
    مسرور لأني كُنت هُنا

  8. fly2art says:

    حياك الله يا ثائر ..

    أنا المسرور بحضورك .. تعال دايما ً : )

    شكراً على الاطراء ..

    على فكرة .. أسلوبك في الكتابة مميز .. و يبدو أن مدونتك حديثة الوجود .. سأكون من المتابعين إن شاء الله .
    تراني عدّلت رابط مدونتك لأن كان فيه خطأ ..

  9. مدونتي الأولى قُمت بحذفها : ) في لحظة جنون.

    شكراً على التعديل يا طيب، وحيّاك الله

  10. it's me says:

    راااائع

    - ويدان تصفقان بحراره حتى تكاد تُخرج شررا !-

    من أجمل ماخطت أناملك
    أحب هذا النوع من النصوص

    فهل من مزيد ؟

  11. fly2art says:

    it’s me ..

    لا داعي .. لا داعي .. ويدان تلوّحان عالياً

    ربما يكون هناك المزيد ..

Leave a Reply