…………………………………………………………………………………………………………………
ملحوظة: ” لا أعرف إذا كانت هذه التدوينة تصلح لكل من هاجر من الرّيف إلى المدينة .. أم أنها لا تصلح إلا لي ؟ ”
…………………………………………………………………………………………………………………
السفر إلى مكانٍ تحبّه , أو تحتاج إليه, ليس متعباً ولا مملاً . منذ وصولي إلى القمّة التي تطلّ على الوادي الذي دَفَنتُ فيه أثمن ما ملكت , شعرت أن هناك موسيقى سوف تُعزَف.. ولكنها لم تُعزف . ثم أنحدرت اليه, كما ينحدر الأطفال عندما يرون البحر. لقد متُّ منذ أن غادرته لأجل العيش. وها أنذا آتي كل عام لزيارة قبري . محمّلاً بحقائب من الشكوى , أعود بها دون أن أفتحها.
ثلاثون يوماً يُسمح لي أن أقضيها في مسقط رأسي .. ثلاثون يوماً يُسمح لي فيها أن أحيا , بعد أن أقضي عاماً من التظاهر بالعيش. وهكذا , كلّ عام , أفرّ من بطش الألم إلى وداعة الحزن .
أخذتُ أشقّ طريقي داخل الوادي , ومثل كل مرّة , شعرت منذ دخولي إليه أني أدخل مملكتي الخاصة , أسير ببطء , كملك , وأشعر أن الشجر على جانبي الطريق يعرفني . بَدَأتْ حواسّي تعمل بنفس كفائتها يوم كانت جديدة , هنا في نفس المكان . و بصدق , أنظر إلى وجهي في المرآة فأرى وجهاً لم أرَه منذ زمنٍ طويل . لم يتغيّر فيه إلا زيادة الشعرات البيضاء التي أنضجها قيظ الحياة .
ما إنْ وضعتُ رحلي حتى بدأتُ أشكوا من معدتي بتأثير إيحائي يعود لأعوام سابقة , قبل أن أضع لقمة واحدة في فمي . وسرعان ما اعتدتُ على جدول ولائم مزدحم , نهجم عليها كالسباع , ثم ننصرف إلى المقاهي مثل خراف ذاهبة إلى المرعى . العجيب , والذي يكاد يكون أسطورة من أساطير الوادي , هو أن كل فرد ينتقد هذا الأمر , ولكنّه يفعله دون تأنيب ضمير . خوفي الكبير هو على أجيال قادمة قد تظن أن هذه العادة الأزلية سنّة نبويّة . كم منعني من أن أصلَ رحماً , خوفي من وليمة تُقام على شرفي .
رغم كل شيء , فإنني كائنٌ سعيد طوال الثلاثين يوماً . سوى ما يعكر المزاج من أخبار حوادث سير لم تعد مُستغرَبة ,خاصة لصبية صغار يقودون سياراتهم جوّاً .
تمرّ الأيام راكضة , و بحسّ التذمّر العام , فلا أستبعد أن تكون للحكومة يد في ضغط إجازتي . رغم صمتي الطويل الذي جعل أحداً ما , يدعوني “ابو الهول” , فإنني أثرثر مع نفسي كثيراً . و أعذر من أهداني اللقب عندما يحلّ الليل الموحش في الوادي , بصمتٍ لا يُحتمل , يصل إلى درجة الإزعاج .
يكفيني أن أستمع لحديث الجيل القديم , عن حياتهم المليئة بمغامرات تستحق أن تُروى , وهي قوْتٌ تعيش أرواحهم عليه داخل أجساد ضعيفة هرمة . لا أنكر خوفي من إفلاس ذاكرتي حين أصبح جداً , فلا أجد ما أرويه لأحفادي إذا كان في العمر فسحة . لأن حياة الموظف , بكل بساطة, ليست حياة .و ليس فيها أدنى قدر من المغامرة أو ارتجال قرارات كبيرة تخطيء أو تصيب ليكون لديك في النهاية , قصة ترويها .
يأتي آخر أسبوع مغرورق العينين, ممتلأً بوداعات , و “ودائع” ليست أكثر من جملة يعجز مجتمعنا عن التلفّظ بها : “إننا نحبكم كثيراً” . إنه أسبوع حافل يجعلني أحترم الوقت , ومنذ أن عرفتُ نفسي وأنا أعيش قانون الطواريء , وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في اللحظات الأخيرة . وفي لحظة وداع يتوقف فيها الوقت حداداً, يقف المودِعون كأنهم يشيعون جنازتي .. وهنا أسأل نفسي : أيهما وطني , الذي أقضي فيه عاماً أم الذي أقضي فيه شهراً ! . العيون التي تحمّلت قسوة الحياة سنين طويلة , تقاوم فيض الدّموع , إنّهم يقتصدون في كلّ شيء! .
ما الذي أسعى إليه حقاً في الغربة ؟ . فالثراء الفاحش هو شيء للنظر وليس للّمس , فضلاً عن كون أحلامي تسلك مسلكاً واقعياً , ولم أدرك أني أحبّ المال بجشع الا عندما وقعت في يدي حقيبة ممتلئة بالنقود لدرجة عجزي عن عدّها ثم استيقظت خالي اليدين ,فكنت في غاية الأسى . ولم تعد الشهرة مغريةً بعد أن أصبح عدد المشاهير أكثر من المغمورين . لا يحزنني أن يطوي الزمن الحلم تلو الآخر دون أن يتحقق منها حلم واحد , ويكفيني أن يسمح لي الخوف أن أحلم , و أن أحزن كما أشاء .
لم يسعفني الوقت لأصبح فيلسوفاً, ولا الحب لأصبح شاعراً , ولم ينصفني أحد كما أنصفتني قطعة من الورق أكتب عليها ما أريد وأرسم ما أريد .
السفر الى مكان تحبه او تحتاج اليه ليس متعبا ولا مملا ان وجد هذا المكان وان كانت فترة 30 يوم بالسنه اظنها كافيه لتتعانق فيها نقطة الوصول ونقطة البدايه وتشعر بشموخ الملك الذي يعترف كل ماحوله من حجر وشجر بانتمائه له ,مللت وانا اسافر بخيالي لارض تحت الارض تدين لي باستئذان قبل رحيلها او حتى لمجرد تمهيد لطفله ارهقها السفر كلما احتاجت لريفها لموطنها لاساسها اشتقت ان تعانق نقطة وصولي نقطة بدايتي وكالعاده على مشارف العيد تزداد رحلاتي وأشعر ان مطار خيالي مل من تجوالي فهنيأ لك الشهر بالسنه وكل عام وانت وريفك بخير
شكراً : ) .. أنا الآن في ريفي ..
معك حق .. على مشارف العيد لا يبتسم المكان لغريب
التقاء نقطة الوصول ونقطة البداية إيمائة جديرة بالتأمل !
شكراً لك .. ومن العايدين